يرى جيمس كلير، الكاتب المتخصص في العادات واتخاذ القرارات والتطور المستمر، أن ما نؤمن به ونقدّره لا يظهر فقط في الكلمات التي نقولها، بل يتجلى بصورة أكبر في الطريقة التي نعيش بها ونتصرف بها كل يوم. فكما تعبّر الكلمات عن الامتنان والحب والاهتمام، تستطيع السلوكيات اليومية أن تمنح هذه المشاعر معناها الحقيقي وتحوّلها إلى ممارسة ملموسة.
وينشر جيمس كلير هذه الفكرة ضمن مقال على موقعه، موضحًا أن التواصل لا يعتمد دائمًا على الكلمات، وأن بعض الثقافات تمنح لغة الجسد والإيماءات دورًا أساسيًا في التعبير عن المشاعر والقيم. ويستشهد كلير بشعب النغوني في وسط وجنوب أفريقيا، ليقدم مثالًا على كيفية تحول القيم إلى سلوك يومي.
شعب النغوني ولغة الجسد
على مدار ألفي عام، عاش شعب النغوني في مناطق وسط وجنوب أفريقيا، وينتشر أفراده اليوم بصورة أساسية في الأجزاء الجنوبية والشرقية من القارة الأفريقية.
وبفضل ثقافتهم العريقة والغنية وتقاليدهم الشفوية، تشكل الإيماءات وحركات اليدين جزءًا مهمًا من عملية التواصل داخل مجتمعات النغوني. فهؤلاء لا يتحدثون بالكلمات وحدها، وإنما تستخدم أجسادهم أيضًا للتعبير والتواصل.
فعلى سبيل المثال، عندما يتلقى أحد أفراد شعب النغوني هدية، جرت العادة على أن يمد يديه معًا في وضعية مقعرة أثناء تلقيها. ووفقًا لميلاني فيني، أستاذة الاتصالات في جامعة ديباو، تشير هذه الإيماءة إلى أن «الهدية التي تمنحني إياها تعني لي الكثير، لدرجة أن عليّ أن أحملها بكلتا يدي».
ولا تقتصر أهمية هذه الإشارة على كونها عادة ثقافية، بل تكشف عن فكرة أوسع: فالامتنان لا يرتبط فقط بما نقوله، وإنما بالطريقة التي نعيش بها ونعبّر بها عن تقديرنا للآخرين.
أفعالنا تعكس ما نؤمن به
يمكن تطبيق هذه الفكرة تقريبًا على كل جانب من جوانب الحياة. فالرياضي، على سبيل المثال، لا يحتاج إلى الحديث باستمرار عن مدى روعة قدراته القيادية، وإنما يستطيع أن يثبت قيادته أولًا من خلال كونه زميلًا جيدًا وداعمًا لأعضاء فريقه.
وينطبق الأمر نفسه على رائد الأعمال؛ فبدلًا من الاكتفاء بإخبار العملاء بأنه يهتم بهم، يستطيع أن يثبت ذلك من خلال الطريقة التي يدير بها عمله، وجودة المنتج الذي يقدمه، وكيفية تعامله مع عملائه.
وفي العلاقات العاطفية، لا يكفي أن يقول الإنسان لشريك حياته إنه يحبه، بل تظهر المحبة الحقيقية في التفاصيل الصغيرة والعناية التي يحرص عليها يومًا بعد يوم.
أما الطبيب أو موظف خدمة العملاء أو المدير المتوسط، فلا تكمن القيمة الحقيقية في شرح مدى براعة الشخص في أداء وظيفته، وإنما في الطريقة التي يؤدي بها عمله كل يوم، بحيث يتحول الأداء نفسه إلى عمل متقن يستحق التقدير.
ولعل سلوكنا هو أقوى مؤشر على ما نؤمن به وما نعتبره مهمًا في حياتنا. وكما قال الرئيس الأمريكي الراحل جون إف. كينيدي: «حين نعبر عن امتناننا، يجب ألا ننسى أبدًا أن أسمى تقدير لا يكمن في نطق الكلمات، بل في العيش وفقًا لها».
فالامتنان لا يتعلق فقط بما نقوله، وإنما بكيفية عيشنا.
الكلمات تكتسب معناها من طريقة حياتنا
تطرح هذه الفكرة سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: هل تعكس أفعالنا الكلمات التي نقولها عن أنفسنا وعن الآخرين؟
يمكن للإنسان أن يتحدث عن القيادة، لكنه يثبتها بطريقة تعامله مع فريقه. ويمكنه أن يتحدث عن الاهتمام بالعملاء، لكنه يثبت ذلك من خلال جودة الخدمة التي يقدمها. ويمكنه أن يقول إنه يحب شريك حياته، لكنه يترجم هذا الحب إلى تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم.
لهذا، لا تنفصل القيم الحقيقية عن السلوك اليومي. فما نفعله باستمرار يكشف في كثير من الأحيان عن أولوياتنا بصورة أوضح مما تفعله الكلمات.
ولا يتعلق الامتنان بما نقوله فحسب، بل بما نعيشه أيضًا.
وهكذا، لا تقتصر هذه الفكرة على الامتنان وحده، وإنما تمتد إلى الحياة بأكملها.
https://jamesclear.com/gratitude-gestures

